الثلاثاء 17 مارس 2026 | 02:15 م

السفير عمرو حلمي يكتب:حرب لم تكن ضرورية… دون تصور واضح لنهايتها


تشير مجريات الأحداث إلى أن قرار الرئيس ترامب بالانخراط في الحرب ضد إيران لم يكن معزولًا عن الضغوط الإسرائيلية، رغم وجود اتجاهات داخل الإدارة الأمريكية كانت تفضّل الانتظار والتريث وإتاحة مزيد من الوقت للمسار الدبلوماسي، وإجراء تقييم أكثر توازنًا لتداعيات أي مواجهة عسكرية على المستويين الإقليمي والدولي. ومع ذلك جرى المضي في الخيار العسكري بالتنسيق مع إسرائيل استنادًا إلى تقدير مفاده أن الضربات الدقيقة والاختراقات الاستخباراتية العميقة قد تُحدث صدمة كبرى داخل بنية النظام الإيراني، تدفعه إما إلى الانهيار أو إلى القبول بمعادلة الاستسلام.

غير أن التطورات اللاحقة كشفت خطأ تلك الحسابات؛ إذ لم تؤدِّ عمليات استهداف القادة الإيرانيين إلى النتائج التي افترضتها تلك التقديرات، فلا النظام انهار، ولا ظهرت انقسامات داخلية جوهرية يمكن أن تفضي إلى تفكك بنيانه، فعلى الرغم من تكبّد إيران خسائر جسيمة على مستوى البنية العسكرية والقيادة السياسية، بما في ذلك تصفية المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، جرى اختيار مرشد أعلى جديد لا يقل تشددًا عن سلفه، وهو ما يعكس قدرة النظام على إعادة إنتاج قيادته ومواصلة العمل المؤسسي رغم الضربات التي تعرض لها.

ويعكس ذلك طبيعة الدولة الإيرانية وبنيتها المؤسسية المعقدة. فالجمهورية الإسلامية طورت عبر عقود شبكة مترابطة من المؤسسات القادرة على امتصاص الصدمات، بحيث لا تقوم السلطة على شخص واحد فقط. وفي هذا الإطار يظل الحرس الثوري ركيزة أساسية في بنية النظام، ويتمتع بقدرات تنظيمية وعسكرية تمكّنه من الاستمرار في إدارة المواجهة حتى في ظل خسائر كبيرة.

وفي الوقت نفسه لا يوحي المشهد الداخلي في إيران بوجود احتمالات قريبة لثورة شعبية تهدف إلى إسقاط النظام. فالتاريخ الإيراني يشير إلى ميل المجتمع إلى التماسك في مواجهة الضغوط والتدخلات الخارجية، كما أن غياب معارضة سياسية تحظى بقاعدة شعبية واسعة يجعل من الصعب تصور نشوء بديل سياسي قادر على ملء الفراغ وإدارة مرحلة ما بعد النظام ، كذلك فإن الرهان على توظيف الأقليات القومية، مثل الأكراد، لإحداث تغيير سياسي جذري يبدو محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يؤدي إلى اضطرابات إقليمية واسعة تمتد آثارها إلى العراق وسوريا وتركيا.

ومن هنا يظهر التناقض الواضح بين النجاحات التكتيكية التي تحققت عبر عمليات الاغتيال والاختراقات الاستخباراتية، وبين محدودية أثرها الاستراتيجي. فالقدرة على استهداف قادة بارزين لا تعني بالضرورة القدرة على إسقاط نظام سياسي يستند إلى شبكة مؤسسات مترابطة وقادرة على الصمود. وفي المقابل لم تؤدِّ الضربات التي تلقتها إيران إلى شلل كامل في قدرتها على الرد؛ إذ لا تزال الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وإن بوتيرة أقل، تستهدف مواقع في إسرائيل وفي بعض دول الخليج.

وفي هذا السياق يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تتجه إلى توسيع نطاق الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية. فبدل الاقتصار على المواجهة العسكرية المباشرة، تسعى طهران إلى توظيف موقعها في قلب منظومة الطاقة العالمية لخلق ضغوط اقتصادية على خصومها. ويظهر ذلك من خلال التهديد المتكرر لاستقرار إمدادات النفط والغاز في الخليج وفي مضيق هرمز، وهو ما يكفي لإثارة القلق في الأسواق العالمية ودفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع.

غير أن هذا المسار يكشف أيضًا عن أخطاء إيرانية كبيرة، أبرزها الفشل في حماية القيادات العليا من الاختراقات الاستخباراتية، إضافة إلى توسيع نطاق الرد ليشمل منشآت الطاقة والبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة. ومثل هذا التوجه قد يؤدي إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه، وقد يدفع أطرافًا إقليمية أخرى إلى الانخراط المباشر في الصراع.

كما يظل مصير القدرات الإيرانية المرتبطة باليورانيوم عالي التخصيب يكتنفه قدر كبير من الغموض، إذ لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على نجاح العمليات العسكرية في تحييد هذه القدرات أو إخراجها من البلاد. ويعني ذلك أن أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية الإيرانية قد يظل قائمًا رغم الحرب، وهو ما يزيد من تعقيد أي محاولة لفرض تسوية سريعة للصراع.

ولا تقتصر تداعيات هذه الحرب على الإطار الإقليمي، بل تمتد إلى بنية النظام الدولي ذاته. فاستمرار المواجهة في منطقة تمثل الشريان الرئيسي للطاقة العالمية يهدد بحدوث اضطرابات عميقة في الاقتصاد الدولي، كما يثير تساؤلات حول قدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات الكبرى ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة. وفي الوقت ذاته قد يفتح تصاعد المواجهة المجال أمام قوى دولية أخرى، مثل روسيا والصين، لتعزيز حضورها في المنطقة مستفيدة من انشغال الولايات المتحدة في صراع طويل ومكلف.

وفي المحصلة تبدو هذه الحرب مثالًا واضحًا لصراع اندفع إليه أطرافه دون تصور واضح لنهايته أو إدراك كامل لتداعياته، فالنجاحات العسكرية التكتيكية لم تتحول إلى مكاسب استراتيجية حاسمة، في حين أن استمرار المواجهة في قلب منطقة الطاقة العالمية يهدد بتوسيع نطاق الأزمة اقتصاديًا وسياسيًا. وفي ظل غياب استراتيجية واضحة للخروج من الصراع يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا مطروحًا: كيف يمكن إنهاء ورطه حرب كان قرار بدئها أسهل بكثير من تصور الطريقة التي يمكن أن تنتهي بها؟

استطلاع راى

هل تعتقد أن اندلاع صراع عسكري بين واشنطن وطهران سيغير خريطة القوى في الشرق الأوسط للأبد؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 7420 جنيه مصري
سعر الدولار 52.21 جنيه مصري
سعر الريال 13.91 جنيه مصري
Slider Image